تجار الوهم

جولة مع شركات التسويق الشبكي

 

الفهرس

الصفحة التالية

الصفحة السابقة


رآي الدين في فكرة التسويق الشبكي

في بداية ظهور تلك الشركات في السوق العربية إختلفت آراء علماء الدين بين مجيز لفكرة التسويق الشبكي وبين المحرم لتلك الفكرة، نظرا لكونها من التعاملات الجديدة والمستحدثة ولم تكن واضحة الصورة بالكامل، فكما نعرف أنها ليست بعلم مستقل يمكن منه الوصول إلى تفاصيل ونتائج عن هذا النوع من التعاملات، ومن ثم يمكن ببساطة معرفة أين موضع الشك في ذلك، لذلك تعددت الفتاوي في هذا الآمر لدرجة جعلت الناس في حيرة من أمرها، أحلال أم حرام... فمن إقتنع بحرمة ذلك، إلتزم بأقوال العلماء ووفر على نفسه عناء المجادلة، أما الفريق الآخر والذي لم يقتنع بحرمة ذلك أو أربكته إختلاف الفتاوي، أو حتى ممن أخذته العزة بنفسه وحلل ذلك الأمر بناءا على فتوى أصدرها بنفسه أي كما يقولون أفتى قلبه... هذا الصنف من الناس تعدى بهم الآمر إلى مهاجمة من حرموا ولم يجيزوا التسويق الشبكي، ورمى بعضهم ... بل أكثرهم ... هؤلاء العلماء بالجهل والإستعجال في الإجابة وعدم فهم حقيقة التسويق الشبكي، مع أن من أفتوا بذلك هيئات علمية ودور إفتاء ومجامع فقهية وخبراء في علم الإقتصاد والمعاملات الإسلامية، وليست صادرة من بلد واحدة بل صدرت الفتاوي في عدد كبير من الدول الإسلامية... فإن كان إعتماد هؤلاء على بعض المشايح ممن أحلوه، فلا شك أن فتاوى دور الإفتاء والهيئات والمجامع الفقهية والتي تضم نخبة مميزة من فقهاء الشريعة لهي أولى بالطمأنينة من فتاوى بعض الأفراد. أفليس في ذلك مشتبهات فلنرجع لقول الرسول عليه الصلاة والسلام "الحلال بين والحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام".

إشكالية تعدد الفتاوي

نعود لرآي من أحل ذلك، حيث قد إعتمد على أن الأصل في العقود المالية الإباحة، و بما أن هذا النوع من عقود البيع تعتبر من المستحدثات ولم يأت نص محدد في الكتاب أو السنة بتحريمه فيبقى على أصل الحل، وكذلك العمولة التي اعتبرت سمسرة. فقد اعتمدوا أيضا أن الأصل فيها جواز عملية السمسرة والوساطة بين البائع والمشتري، لذلك يصح أخذ عمولة على ذلك من صاحب السلعة الأصلي، ولكن في جل ردود وإجابات هؤلاء العلماء كانوا يذكرون عبارة "ما دام لم يتضمن محظوراً شرعياً". هذه الجملة او مايشبهها تناساه هؤلاء الأفراد والذين يصبون كل إهتمامهم في الحصول على من يجيز ذلك.

يعود سبب تعدد وإختلاف الفتاوي أساسا إلى صيغة السؤال حين طرحه على رجل الدين أو الهيئة العلمية، ويعود الإثم على من وضع تسأله بصيغة غير متكاملة وبنهج غير واضح إن كان على قصد أو بدون قصد. ويجب على من أفتى أن يتحرى قبل أن يصدر أية فتوي.

ومن الواضح أن مجمل الأسئلة التي طرحت وقتها والتي حصلوا بموجبها على هذا الجواز، كانت نتيجة عدم وضوح أن العمولة هي ناتجة في الأساس عن ضم شخص وليس بيع منتج، كما أنهم لم يوضحوا شرط التوازن في الشبكة، فمن الممكن أن تبذل مجهودا في البيع ولا تحصل على شئ نتيجة عدم توازن شبكتك. كما لم يبينوا كيفية إكتساب العمولة من بيع الأفراد الذين يضموهم في شبكتهم، وكذلك شرط الشراء أولا حتى تتمكن من الاشتراك في شبكة التسويق، وبالتالي الحصول على عمولات التسويق وحوافزه.

الرأي الديني بحرمة التسويق الشبكي

بعد زيادة عدد تلك الشركات في السوق العربية، وزيادة طرح الإستفسارات عن موقف الدين، وكذلك إلمام رجال الشريعة بكافة جوانب تلك الشركات ووضوح اسلوبها في عمليات البيع والعمولة وطبيعة المنتجات التي تبيعها.

كما توفرت أدلة عن عدم قصد هذه المعاملة للمنتج بعينه، والدليل على ذلك أنه إذا توفر هذا المنتج في السوق بقيمة أقل من قيمته عند شركة التسويق لأقبل على القيمة الأقل، وكذلك لو توفر عرض التسويق بدون منتج لاختاره وتعامل به دون طلب للمنتج، كما أن طريقتهم للإقناع تنطوي على إغراء بحجم العمولة التي من الممكن أن يتحصل عليها أو بما سوف يحصله من مال بلا تعب أكثر من إقناعهم بمدى فاعلية المنتج من عدمه.

وعلى ذلك توفر لرجال الشريعة تلك النقاط وغيرها مما أخل بحل هذا النوع من العقود، وتورفرت الأدلة الكافية لإصدار الفتاوي بتحريم هذا النوع، ووتلخص أهم تلك النقاط فيما يلي:-

     - المقصود من تلك المعاملة:- حيث تبين أن المقصود ليس بغرض البيع والشراء وإنما بغرض تحقيق شرط العمولة ..

     - المعاملة تضمنت نوعي من الربا .... ربا الفضل وربا النسيئة ..

     - شاب تلك المعاملة نوعا من الغرر ....

     - إشتملت المعاملة على المقامرة ...

     - هناك نوعا من الغش والتدليس في المعاملة ...

أولا- هذه العملية جاءت بإغراء الربح والثراء من خلف ستار عملية البيع، فأصبح النية والمقصد من وراء المعاملة هو العمولات وليس المنتج، والإغراءات التي تتبعها الشركات في تسويق منتجاتها والدعاية للمردود هو بهدف إبراز حجم العمولات الكبيرة التي يمكن أن يحصل عليها المشترك إذا إشترك وضم آخرون إليه ... ولما كانت هذه هي حقيقة هذه المعاملة، وخالف بذلك القاعدة الشرعية "إنما الأعمال بالنيات" لذلك فهي محرمة شرعاً.

ثانيا- أنها تضمنت الربا بنوعيه، ربا الفضل وربا النسيئة، فالمشترك يدفع مبلغاً قليلاً من المال ليحصل على مبلغ أكبر منه، فهي نقود بنقود مع التفاضل والتأخير، وهذا هو الربا المحرم بالنص والإجماع، فوضع المنتج لهذا الغرض يعتبر تحايلا على الربا وستار للمبادلة، والتحايل لايزيد الحرام إلا حرمة، ولا تأثير له في الحكم.

ثالثا: أنها من الغرر والذي هو استخدام كافة السبل والوسائل الخادعة لحث المشترى على الشراء وذلك بالتركيز على المزايا المتوقعة، وليس المنتج المراد بيعه، وقد يقوم البائع بالمغالاة أو إستخدام أساليب غير مشروعة، وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الغرر، لأنه يقود إلى الغبن والظلم وأكل أموال الناس بالباطل، لذا فهو محرما شرعا.

رابعا: إشتمال المعاملة على المقامرة حيث انها معاملة يقدم فيها المتعامل مالا أو جهدا في مقابل عوض غير معلوم بين أن يربح أويخسر، ويضيع عليه ماله أو جهده فلايحصل على شئ، ويكون المستفيد هو الطرف الآخر الذي تعامل معه.

فالمشترك يدفع هذا المبلغ ولا هدف محدد له في السلعة، وإنما الهدف عمولة التسويق التي قد يتحصل عليها إذا وفق في تجميع العدد المطلوب، وقد لا يوفق فلا يحصل على شئ، فهو يدفع مال مقابل عمولة التسويق وليس للمنتج ، والمنتج مجرد ستار، فإذا زال الستار تبين أن المشترك يدفع مالا مقابل عمولات التسويق التي قد تحصل له فيربح أو لاتحصل فيخسر ، ولا غرض له في المنتج في الحقيقة.

خامسا: اعترى هذه المعاملة شبهة الغش والتدليس، حيث يظهر المنتج وكأنه هو المقصود من المعاملة والحال خلاف ذلك، ومن جهة أخرى الإغراء بالعمولات الكبيرة التي لا تتحقق غالباً ، وهذا من الغش المحرم شرعاً، وكما قال عليه الصلاة والسلام (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما).

وعليه فإن هذه العمولات والمكافآت إنما وجدت لأجل الاشتراك في التسويق الشبكي، فمهما أعطيت من أسماء، سمسرة أو هدية أو هبة أو غير ذلك، فلا يغير ذلك من حقيقتها وحكمها شيئاً.


الصفحة التالية


الصفحة السابقة

 

 الموقع بإشراف شبكة النمرسي www.alnomrosi.net  - حقوق النشر متاحة للجميع بشرط ذكر المصدر 2012